محققو الاحداث في مركز شرطة اللد - نسرين عليان

لماذا لا يوجد في مدينة مبتلاة بالجريمة سوى محققي أحداث اثنين ولا يتحدث أي منهما العربية ؟


محققو الأحداث في مركز شرطة اللد - بقلم نسرين عليان

لماذا لا يوجد في مدينة مبتلاة بالجريمة سوى محققين أحداث اثنين ولا يتحدث أي منهما العربية ؟

تصدرت اللد عناوين الصحف أكثر من مرة في الأخبار المؤلمة في السنوات الأخيرة. أحداث مايو 2021 ، والتي هي استثنائية في أبعادها في المدينة ، وتداعيات هذه الأحداث التي ترافقنا حتى يومنا هذا. تعد اللد على أنها مدينة مختلطة. حوالي 28٪ من سكانها هم من العرب الفلسطينيين ، وحوالي 37٪ من إجمالي السكان هم من الأطفال حتى سن 18 عاما.

بعد بضعة أشهر من أحداث أيار 2021، بدأت العيادة القانونية في كلية الحقوق في الجامعة العبرية بتنفيذ مشروع "العدالة الانتقالية" في مدينة اللد، بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني المحلية – مركز "نعام"، مواطنون يبنون مجتمع، المحكمة المجتمعية – ونشطاء اجتماعيين. الهدف من المشروع هو توفير التمثيل القانوني للسكان المحليين على عدة مستويات تحصيل الحقوق مقابل السلطات ، بما في ذلك البلدية ، التأمين الوطني ،  مكتب التنفيذ ووزارة الداخلية وشرطة إسرائيل، وكذلك تمكين السكان ومحاولة إجراء حوار مع جميع السلطات.

كشف استعراض وترسيم للمشاكل في المدينة , بالإضافة إلى عدد من التوجهات المقدمة إلى السلطات , عن عدد من المشاكل. العيادات المختلفة في الكلية بدأت بالفعل بمعالجة بعضها. سأركز في هذا المقال على سلطة إنفاذ واحدة – شرطة اللد – وخاصة على النقص الكبير في القوى العاملة، والذي له آثار خطيرة على الشباب المشتبه بهم والمتورطين في نشاط إجرامي.

ليس هنالك محققي احداث عرب في شرطة اللد




لا وجود لمحققي احداث عرب في شرطة اللد

تحقق شرطة اللد مع قاصرين يهود وعرب كل عام . ردا على طلب حرية المعلومات المقدم من العيادة القانونية، تبين أنه من بين 132 ملف تحقيق مع قاصرين أجريت في اللد في عام 2021، تم التحقيق مع 37 قاصرا يهوديا و98 قاصرا عربيا. وبعبارة أخرى، خلال تلك السنة كان عدد القاصرين العرب الذين تم التحقيق معهم أكبر ب 2.5 مرة من عدد الفتيان اليهود. ومع ذلك، اتضح أنه لا يوجد سوى محققين اثنين مؤهلين في مراكز الشرطة في مدينة اللد، ولا يتحدث أي منهما العربية. ويخدم أحد المحققين في وحدة مكافحة الجريمة والآخر في نقطة نفيه شالوم. لذلك، في التحقيق مع القاصرين العرب الذين لا يتكلمون العبرية، عادة ما يستعين المحققون بمترجمين إلى اللغة العربية. ويتضح أيضا أن نسبة كبيرة من الفتيان (اليهود والعرب) يتم التحقيق معهم من قبل محقق بدون تأهيل مناسب للأحداث، وهذا بموافقة ضابط مخول. هكذا اتضح من الرد الذي تلقيناه على طلب حرية المعلومات في 2021 ، والذي تم بموجبه إجراء التحقيق في 73 حالة فقط من قبل محقق أحداث ، وفي 60 حالة تم إجراء التحقيق من قبل ضابط شرطة ليس محققا للأحداث بإذن من ضابط مخول.

 

في عام 2022، أبلغت الشرطة العيادة القانونية أنه خلال ذلك العام، قامت بتمرير ثلاثة ضباط دورة مكثفة في اللغة العربية استمرت ثلاثة أشهر، من أجل سد النقص في المحققين الناطقين بالعربية. بعد توجه آخر اشرنا به أن هذا الرد غير كاف نظرا لعدم وجود محققي أحداث اصلا، تلقينا مؤخرا ردا يفيد ان شرطي عربي يخضع حاليا للتدريب لتأهيله كمحقق احداث ويتم فحص مدى ملاءمته للوظيفة. من المحزن أنه حتى يومنا هذا لم يكن هناك محقق احداث عربي واحد في مدينة اللد، على الرغم من حقيقة أنها مدينة مختلطة تعاني من العنف والجريمة.

 

ينص القانون الإسرائيلي على أن القاصرين الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و 18 عاما لهم الحق في التحقيق معهم من قبل محقق أحداث مؤهل. هذا الحق محفوظ في قانون القيادة القطرية للشرطة الإسرائيلية ("مطئار") لعام 2013. يهدف هذا القانون إلى حماية الحق في الإجراءات القانونية الواجبة، بسبب ضعف القاصرين أثناء التحقيق. في عملية التحقيق مع القاصرين هنالك الخوف من اخذ اعتراف كاذب من القاصر. وفقا لقانون "المطئار"، يتم التحقيق مع القاصر من قبل محقق أحداث، ولكن إذا كانت هناك حاجة ماسة لاستجواب قاصر ولم يكن هناك محقق أحداث في وحدة الشرطة في ذلك الوقت،  يمكن للضابط المخول أن يسمح لضابط شرطة ليس محققا للأحداث بالتحقيق مع القاصر. ومع ذلك، من الواضح أن استخدام الاستثناء في شرطة اللد متكرر جدا في غياب محققي أحداث مؤهلين.

 

أكد تقرير من عام 1994 للجنة المعنية بالإدانة على أساس الاعتراف وحده وأسباب إعادة المحاكمة، برئاسة قاضي المحكمة العليا آنذاك إليعازر غولدبرغ، على أهمية التحقيق من قبل محققين مؤهلين للتحقيق مع الأحداث والضرر الذي قد يعاني منه الشباب نتيجة التواصل مع الشرطة : "... يجب إصدار تعليمات للمحققين بأنه خلال التحقيق يتوجب عليهم ابداء اهتمامهم وقلقهم على مصلحة القاصر ، بما في ذلك ضرورة الشرح له حقوقه.  وينبغي تعيين محققين للأحداث، بعد التدريب المناسب وتأهيلهم لهذه الوظيفة الحساسة، وان يكونوا على دراية بالضرر العاطفي، الذي لا يمكن إصلاحه أحيانا، الذي يلحق بالقاصر من مجرد تواصله بالشرطة، وضرورة التقليل إلى أدنى حد ممكن من هذا الضرر، حتى لو كان الكشف عن الحقيقة على رأس أولوياتهم في التحقيق".

 

تشير الدراسات إلى أن القاصرين هم شريحة مستضعفة وأن مجرد التحقيق معهم في محطة الشرطة ليس بالأمر الهين بالنسبة لهم. إن استخدام حيل التحقيق، مثل التلاعب العاطفي والنفسي بالقاصرين الذين يتم استجوابهم، والوعود والامتيازات الكاذبة، وخاصة استخدام معلومات كاذبة أثناء التحقيق مع القاصرين، يزيد بشكل كبير من خطر الحصول على اعتراف كاذب وتجريم كاذب للقاصر، وبالتالي يجب توخي الحذر الشديد. على الإجراءات القانونية الواجبة في وقت استجوابهم. في دراسة لمشروع البراءة في الولايات المتحدة ، والتي حللت أحكام البراءة بناء على اعترافات كاذبة ، وجد أن 40٪ من الاعترافات الكاذبة أدلى بها قاصرون.

القاصرين شريحة مستضعفة



 

وشددت المحاكم في إسرائيل على أهمية التحقيق من قبل محقق الأحداث، اذ أشار القاضي صائب دبور في المحكمة المركزية للأحداث في منطقة الناصرة في قضية قتل اتهم فيها شاب: "يجب في استجواب مشتبه به قاصر التأكد دائما من عمله من قبل محقق أحداث صاحب تأهيل خاص وعلى المام ودراية بأحكام القانون وقوانين الأحداث. نعم، يجب أن يتم التحقيق مع القاصر بحذر، بدون تهديدات وإهانات، مع الحفاظ على حقوق القاصر وعلى معنويته الحساسة وعلى كرامته وتميزه.  من المفترض أن تكون أحكام قانون الأحداث بمثابة المرشد والدليل للمحققين. يجب على سلطة التحقيق ألا تتجاهل تعليمات قانون الأحداث، على سبيل المثال، يجب التحقيق مع المتهم/القاصر من قبل محقق أحداث، ماهر ومطلع على تعقيدات القانون والحقوق التي يتمتع بها القاصر (بغض النظر عن سلوكه وتصريحاته وشخصيته). " للأسف، لا تناقش محكمة الأحداث في كثير من الأحيان أساليب التحقيق ضد القاصرين، إلا إذا في حالات استثنائية قاسية للغاية. ومع ذلك، فإن السوابق القضائية الإسرائيلية تعرضت الى مسألة وزن الأدلة للاعترافات التي تم الحصول عليها من القاصرين الذين تم التحقيق معهم بشكل غير لائق من قبل محقق الأحداث.  وصف القاضي مناحيم فينكلشتاين، نائب رئيس محكمة  الاحداث في المحكمة  المركزية في اللد : "تألف فريق التحقيق من محققين مخضرمين معتادين على استجواب المجرمين الخطرين. لم يحقق مونكر وإيلان ليفي وموهانا من قبل في قضية قتل يكون فيها المشتبه بهم قاصرين. ويبدو أنهم لم يكونوا على دراية بالحقوق الخاصة للقاصرين أثناء التحقيق، والتي تنبع من صغر سنهم. لذلك، فإن طبيعة التحقيق مع القاصر البالغ من العمر 16 عاما، والذي تم اعتقاله والتحقيق معه لأول مرة، لا تناسب عمره ونضجه. هذا عيب أساسي وكبير في التحقيق. "

 

من المهم التأكيد على أن نقص محققي أحداث في مدينة اللد هو جزء من نقص القوى العاملة الشرطية في المدينة. في الفترة ما بين 2018 و 2021 . كان ينقص مراكز شرطة اللد نسبة 11.5٪ في القوة العاملة. تقرير مراقب الدولة حول هذا الموضوع، وكذلك في نقاش الكنيست بعد التقرير، تم التشديد على اهمية توظيف شرطيين في الدوريات وشرطة المخابرات ولكن لم يتم التشديد على توظيف محققي احداث.

 

الحق في الاستجواب في اللغة العربية

وجد تقرير مراقب الدولة أنه حتى سبتمبر 2021 ، قامت الشرطة بتصنيف مركز شرطة كمركز شرطة مختلط إذا كان 30٪ -80٪ من جميع السكان في المنطقة الخاضعة لمسؤوليته هم من العرب. بناء على هذا التعريف، تم تصنيف مراكز شرطة اللد وتشغيلها حتى عام 2021 (بما في ذلك وقت أحداث مايو 2021) كمراكز شرطة يهودية، لأن نسبة السكان العرب في اللد تقف اليوم، كما سبق ذكره عند حوالي 28 ٪.  كما أكد التقرير نفسه أن عدم إلمام المحققين باللغة العربية قد يؤثر بشكل مباشر على قدرتهم على أداء واجباتهم على النحو الأمثل، حيث أن حوالي ثلث سكان هذه المدن المختلطة ينتمون إلى السكان العرب.

 

وقد أدى هذا التصنيف لمراكز الشرطة في اللد إلى الوضع الحالي اي لعدم وجود محققي أحداث مؤهلين يتحدثون العربية كما هو مطلوب في مدينة مختلطة. التحقيق الذي لا يكون بلغة الأم للذي يحقق معه قد ينتهك حقوق الإجراءات القانونية الواجبة. تأخذ الأمور اهمية كبرى عندما يتعلق الأمر بالقاصر. الحق في التحقيق بلغة يتقنها المحقق محفوظ في إسرائيل في البند 2 من قانون أصول المحاكمات الجزائية (استجواب المشتبهين)، 5762-2002، الذي ينص على أن "التحقيق مع المشتبه به يجب أن يتم بلغته أو بلغة يفهمها ويتكلمها، بما في ذلك لغة الإشارة". هذا المبدأ مكرس أيضا في المادة 1 ج من قانون الأحداث، التي تنص على أن "الإجراءات بموجب هذا القانون التي تتم بحضور القاصر يجب أن تتم بلغة القاصر أو بلغة يفهمها ويتكلمها، بما في ذلك لغة الإشارة، أو في الترجمة إلى هذه اللغة". كما يشدد البند 1 ب (ب) من قانون الأحداث على أنه "من أجل ضمان حق القاصر في فرصة التعبير عن موقفه، يجب تزويد القاصر بالمعلومات، بلغة وطريقة مفهومة له، مع مراعاة سنه ونضجه".

 

يمكن أن تؤدي الأخطاء في الترجمة والفهم إلى عدم فهم المعتقل لحقوقه، أو عدم فهم ما يطلب منه، أو تحريف كلماته في الترجمة. وقد تتسبب هذه العيوب في توريط المحقق معه وتجريمه لنفسه على أفعال لم يرتكبها، وتؤدي إلى تعقيد العملية دون داع. واشارت قرارات المحاكم  الى أن الترجمة الخاطئة تنتهك حق المشتبه به في الإجراءات القانونية الواجبة، حيث يحرم من الحق في فهم ما هو متهم به، وكذلك تمس في قدرته على شرح نفسه والدفاع عن نفسه بشكل صحيح ضد ما ينسب إليه: "يجب على الشخص الذي يقف في مركز الإجراءات القانونية، خاصة عند التعامل مع المسائل الجنائية، أن يفهم ما هو متهم به، وأين وكيف تسير الإجراءات في قضيته، وما هو الامر الذي  يجب عليه الدفاع عن نفسه منه . لكل شخص الحق في الادعاء والمناقشة، سواء بموجب مبادئ العدالة الطبيعية أو بموجب حقه في الكرامة والحرية وفقا للحقوق الأساسية المنصوص عليها في القانون الأساسي: كرامة الإنسان وحريته. لا يمكن للمشتبه بهم والمتهمين ممارسة هذه الحقوق الأساسية إلا إذا فهموا الأسئلة والتهم الموجهة إليهم . "

 من المهم التأكيد على أن المحكمة اعترفت بحق القاصرين في تبرئتهم  من التهم الخطيرة على ضوء عدم أهلية أقوال المتهمين، في وقت كانت هناك العديد من العيوب في تحقيقهم، بما في ذلك فيما يتعلق بالتحقيق بلغة لا يعرفونها.

ملخص

إن غياب محققي الأحداث له ابعاد عدة وخطيرة ، وليس من الصدفة أن القانون قد حدد اهمية هؤلاء المحققين. في مدينة مثل اللد، من الأهمية بمكان، في  ضوء  العديد  من الحوادث الإجرامية التي تقع فيها، ضمان المبدأ والعدالة، وتمكين الإجراءات القانونية الواجبة والحفاظ جسديا ونفسيا على القاصرين الضعفاء المتورطين في اعمال إجرامية. كيف يعقل أنه حتى التوجه الأخير للعيادة القانونية، لم يكن هناك محقق احداث عربي واحد في مدينة مختلطة مثل اللد؟ نأمل أن يكون تأهيل أول شرطي عربي كمحقق أحداث فاتحة طريق إلى توظيف الشرطة للمزيد من الموظفين المؤهلين والملائمين ثقافيا ولغويا .

كتب هذا المقال بالأساس لصفحة حوار لحقوق الانسان لمينرفا


نسرين عليان


نسرين عليان حاصلة على درجة الماجستير في القانون العام من جامعة نورث وسترن شمال غرب شيكاغو وجامعة تل أبيب، لقب اول في القانون من كلية الإدارة والأعمال في رمات غان، ولقب اول في العلوم الاجتماعية والاعلام من الجامعة المفتوحة.  نسرين وتدير العيادة القانونيه لتعدد الثقافات والتنوع في كلية الحقوق في الجامعة العبرية.


 

nisreen.alyan@mail.huji.ac.il


عندما يتم تقديم لائحة اتهام ضد أحد المشتبه بهم في قضية معينة، هل يحق للمشتكي استئناف قرار إغلاق ملف مشتبه به آخر في نفس القضية؟
المحكمة العليا تجيب بالسلب على هذا السؤال في قرارها من يوم 4.12.2022 خلال المجريات المستمرة في جريمة قتل الشاب حسين محاميد في كفرياسيف بتاريخ 12.8.2019